عِنْدَمَا نَتَحَدَّثُ عَنِ اللُّغَةِ، فَنَحْنُ لَا نَتَحَدَّثُ عَنْ مَادَّةٍ دِرَاسِيَّةٍ تُحْفَظُ قَوَاعِدُهَا وَتُجَابُ أَسْئِلَتُهَا فَقَطْ، بَلْ نَتَحَدَّثُ عَنْ أَدَاةٍ يَسْتَخْدِمُهَا الْإِنْسَانُ لِيَفْهَمَ وَيُفَكِّرَ وَيُعَبِّرَ وَيَتَعَلَّمَ وَيَتَوَاصَلَ مَعَ الْآخَرِينَ.
وَكُلَّمَا نَمَتْ قُدْرَةُ الطَّالِبِ عَلَى فَهْمِ اللُّغَةِ وَاسْتِخْدَامِهَا، اتَّسَعَتْ قُدْرَتُهُ عَلَى التَّعَلُّمِ وَالتَّفْكِيرِ وَالتَّعْبِيرِ عَنْ ذَاتِهِ وَالتَّفَاعُلِ مَعَ مَا يَحِيطُ بِهِ.
اللُّغَةُ هِيَ أَحَدُ أَهَمِّ أَدَوَاتِ التَّفْكِيرِ وَبِنَاءِ الْمَعْرِفَةِ. فَبِهَا يَفْهَمُ الطَّالِبُ الْمَعْلُومَاتِ، وَيَرْبِطُ بَيْنَ الْأَفْكَارِ، وَيَصِفُ الْمَشْكِلَاتِ، وَيَطْرَحُ الْأَسْئِلَةَ، وَيَبْنِي الْإِجَابَاتِ.
كُلَّمَا كَانَ قَادِرًا عَلَى قِرَاءَةِ السُّؤَالِ وَفَهْمِهِ وَتَحْلِيلِ مَعْنَاهُ، كَانَ أَقْرَبَ إِلَى فَهْمِ الْمَطْلُوبِ فِي الرِّيَاضِيَّاتِ وَالْعُلُومِ وَالدِّرَاسَاتِ الِاجْتِمَاعِيَّةِ وَغَيْرِهَا.
لَا يَتَعَلَّمُ الْإِنْسَانُ بِعَقْلِهِ وَحْدَهُ، فَالْمَشَاعِرُ وَالْقِيَمُ وَالْاتِّجَاهَاتُ جُزْءٌ أَسَاسِيٌّ مِنْ تَكْوِينِهِ. وَاللُّغَةُ هِيَ الْوَسِيلَةُ الَّتِي نُسَمِّي بِهَا مَشَاعِرَنَا، وَنَفْهَمُ بِهَا مَشَاعِرَ الْآخَرِينَ، وَنُعَبِّرُ بِهَا عَنِ الْفَرَحِ وَالْحُزْنِ وَالْأَمَلِ وَالْخَوْفِ وَالِامْتِنَانِ.
عِنْدَمَا يَتَعَلَّمُ الطَّالِبُ كَيْفَ يَصِفُ مَشَاعِرَهُ وَيُحَاوِرُ غَيْرَهُ وَيُقَدِّمُ رَأْيَهُ بِاحْتِرَامٍ، فَهُوَ يَتَعَلَّمُ مَهَارَاتٍ إِنْسَانِيَّةً تَتَجَاوَزُ حُدُودَ حِصَّةِ اللُّغَةِ الْعَرَبِيَّةِ.
الْمَعْرِفَةُ وَحْدَهَا لَا تَكْفِي. الْمُهِمُّ أَنْ يَسْتَطِيعَ الطَّالِبُ اسْتِخْدَامَهَا فِي مَوْقِفٍ حَقِيقِيٍّ. وَهُنَا تَأْتِي اللُّغَةُ كَأَدَاةٍ لِلتَّطْبِيقِ وَالْإِنْتَاجِ وَالتَّوَاصُلِ.
كُلَّمَا ازْدَادَ رَصِيدُ الطَّالِبِ اللُّغَوِيُّ، أَصْبَحَ أَقْدَرَ عَلَى التَّمْيِيزِ بَيْنَ الْأَفْكَارِ، وَتَحْدِيدِ الْفُرُوقِ، وَتَفْسِيرِ الْعَلَاقَاتِ، وَبِنَاءِ الْحُجَجِ، وَالتَّعْبِيرِ عَنْ مَوْقِفِهِ بِوُضُوحٍ.
نَحْرِصُ فِي مَنْصَّةِ الْوَلَاءِ عَلَى أَنْ يَتَجَاوَزَ تَعَلُّمُ اللُّغَةِ حِفْظَ الْقَاعِدَةِ وَالْإِجَابَةَ عَنِ السُّؤَالِ، لِيَصِلَ الطَّالِبُ إِلَى الْفَهْمِ وَالتَّطْبِيقِ وَالتَّحْلِيلِ وَالْإِنْتَاجِ.
إِذَا كَانَتِ اللُّغَةُ هِيَ أَدَاةَ الْفَهْمِ وَالتَّفْكِيرِ وَالتَّوَاصُلِ، فَهَلْ نَحْتَاجُ إِلَى تَقْوِيَتِهَا فِي مَادَّةٍ وَاحِدَةٍ فَقَطْ، أَمْ فِي كُلِّ مَجَالٍ نَتَعَلَّمُهُ وَنَعِيشُهُ؟
وَكُلَّمَا أَحْسَنَّا تَعْلِيمَ أَبْنَائِنَا اللُّغَةَ، فَنَحْنُ لَا نَمْنَحُهُمْ قَوَاعِدَ وَمُفْرَدَاتٍ فَقَطْ، بَلْ نَمْنَحُهُمْ أَدَاةً لِفَهْمِ الْعَالَمِ وَالتَّعْبِيرِ عَنْ ذَوَاتِهِمْ وَبِنَاءِ مُسْتَقْبَلِهِمْ.